نخبة من الأكاديميين

743

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

مدّة وجيزة . هذا الاختيار ، الذي أملته إيديولوجيّة سان سيمونيّة تأثّرت بها أعمال لامبرت ، ارتكز على النظريّة القائلة بالعلم " النافع " ، وهي الرؤية عينها التي سادت عند تأسيس المدرسة الباريسيّة المذكورة . هذه الرؤية كانت تُركِّز على التطبيقات المفيدة في فنّ الهندسة وعلى التطبيقات العمليّة للمشاريع ، أكثر ممّا تُركّز على شرح الأسس الفيزيائيّة - الرياضيّة التي ترتكز عليها العلوم الهندسيّة . لذا استحضر لامبرت النصوص التّي كانت تُدَرَّس في المؤسّسة الفرنسيّة المذكورة وطلب ترجمتها . إلّا أنّه أدخل بعض التعديلات على النموذج الذي اتخذه . فلقد دفعه حرصُهُ على عدم النزول بمستوى المعلومات النظريّة إلى ما دون عتبة معيّنة ، إلى أن يوفّر لمنهاجه نصّاً رياضيّاً أكثر أهميّة من النص الرياضي المعتمد في المدرسة الباريسيّة . وأمّن كذلك للمدرسة نصّاً تدريسيّاً حقيقيّاً في علم الفلك ؛ فإضافة إلى تطبيقات هذا العِلْم في الجودزة ( « 1 » * ) ، أدرك لامبرت أهميّة تطبيقاته التقليديّة ، خصوصاً فيما يتعلّق بالتقويم . فقد أخذ محمود الفلكي ( 1815 - 1585 ) ، وهو خريج المدرسة والذي أصبح مدرّساً فيها ، على عاتقه ، منذ العام 1842 النشر السنويّ لهذا التقويم ، وتوزيعه على " دنيا المساجد " . وذهب لامبرت إلى أبعد من ذلك ، إذ أسّس في العام 1845 مرصداً متاخماً للمدرسة وألحق به أفضل تلامذته ، معرباً عن أمله في أن يُساعدَ ذلك على إطلاق عمليّة تكوين جماعة علميّة محض مصريّة . وأخيراً ، شجّع لامبرت الحركة الواسعة في الترجمة وفي إعداد اللغة العلميّة ، هذه الحركة التي قامت في مدرسة بولاق كما في مدرسة الطب ، والتي نتج منها ، خلال خمسة عشر عاماً ، نشر حوالي خمسين مؤلَّفاً في ميدان العلوم الرياضيّة والهندسة . نشهد إذاً ، عِبر تأسيس المدارس العليا وبفضل هذه الحركة من الترجمات للنصوص العلميّة ، نقلًا كثيفاً للعلوم الأوروبيّة . هذا النقل وضع المناهج والنصوص التدريسيّة المصريّة بمستوى مثيلاتها الفرنسيّة ، إن فيما يخص تكوين المهندسين أو فيما يخص تكوين الأطباء . ومع ذلك ، لم تتأسّس في مصر مدينةٌ علميّة حقّة . ففي الواقع ، اهتم أسياد مصر بتطبيقات العلم وبالتقنيّات التي تسمح بها هذه التطبيقات ، أكثر من اهتمامهم بالتطوّر العلمي نفسه . فيمكننا القول أنّ العلوم الأوروبيّة نُقِلت ، في الأساسي منها ، بسبب علاقاتها ببعض التقنيّات ، دون أن يؤخذ البحث العلمي بعين الاعتبار في الوقت عينه . لذلك ، لم تبصر النور أيّة مؤسَّسة علميّة على ضفاف النيل ، يمكن مقارنتها مع الأكاديميّات التي كانت موجودة آنذاك في العواصم الأوروبيّة . وبعض القضايا التي تحتاج إلى خبرة وتقنيّة ( مثل صك العملة ، وضبط الأوزان والقياسات ، إلخ . ) ، والتي كان بالإمكان إسنادها إلى مؤسَّسات مُمَركزة من هذا النوع ، تُرِكت مثلًا بعهدة لجان غير دائمة . فنستطيع القول أنّ نظام التعليم الذي وضعه محمّد علي ، إلى جانب النظام التقليدي ، بقي كليّاً أسير المهمّة التي أُنشِىء من أجلها والتي اقتصرت على إمداد مصالح الدولة بالخبراء . على هذا الأساس ، لم يكن يُنظر إلى تلاميذ المدارس

--> ( 1 ) ( * ) أو علم القياس على الأرض ( المترجم ) .